دمشق °C

⁦00963 939 114 037⁩

رأي – هل يقرأ خامنئي وأردوغان التاريخ فيتعظان ؟

في أحيان كثيرة تصيب شهوة الغزو الخارجي حاكمَ دولة من الدول، فيحمل سيوفه وضباطه وجنوده وأموال شعبه، ويغزو دولة أو دولا أخرى اعتادت على العيش بسلام، فيَقتل من أهلها الكثير، ويُقتل من جيوشه الكثير، ثم يَفرض سلطانه عليها بقوة البطش والهدم والحرق، وبالنهب والسطو والاغتصاب، يساعده على ظلمه واحتلاله نفر من خونة بلادهم، طمعا في جاه أو مال أو وظيفة.

ثم يجيء اليوم الموعود، فتضعف سلطة احتلاله من داخلها، وتنهض الشهامة في الشعوب المغلوبة، أو تأتيها نجدة من قوة أو قوى خارجية أخرى، فيُهزم الغازي، وتُذله جيوش الغاضبين عليه، وقد تلاحقه إلى داخل بلاده ذاتها، فتحتلها، وتسوم أهله سوء العذاب.

وفي التاريخ القديم والحديث غزاةٌ جبابرة دوخوا الدنيا، وملأوها رعبا ودما ودموعا، ثم سقطوا، في النهاية، وتجرعوا مرارة الهزيمة، وجنوا على شعوبهم، وعلى أسَرهم ذاتها.

ومن أشهر هؤلاء:

قورش الكبير

أحد أعظم ملوك الفرس بين عامي 559 – 530 قبل الميلاد. أسس الإمبراطورية الفارسية الأخمينية التي تعاظمت في عهده بغزو مناطق جنوب آسيا وغربها وجنوبها والقوقاز. ولكنه سقط في سنة 529 ق.م أثناء مناوشة له مع شعب يعيش شرقي بحر قزوين يُعرف باسم “ماساغيتي”.

الإسكندر الأكبر

تسلم العرش بعد اغتيال والده. وبدأ عهده بتدمير جيش داريوس الثالث في سوريا، ثم غزا مصر، ودانت له منطقة حوض البحر المتوسط كلها، ثم غزا القارة الآسيوية، وأسقط الإمبراطورية الفارسية.

وبعد وفاته في مدينة بابل سنة 323 ق.م أصاب دولته الضعف، ونخرها الفساد، وأنهكتها الحروب الطاحنة بين أتباعه، فتمزّقت أوصالها، ثم كان انهيارها وهوان شعبها.

يوليوس قيصر

حلم بالغزو الخارجي لإقامة إمبراطورية عظيمة، ومات قبل أن يتحقق ذلك. لكن ابنَه بالتبني، أغسطس، نجح في تحويل هذه الأحلام إلى حقيقة في العام 49 قبل الميلاد. فقد تمكن، بعبقريته العسكرية، من غزو مصر وضمها لملكه بعد هزيمة كليوباترا وأنطونيو، ثم ضم المجر وكرواتيا وإسبانيا وبلاد الغال. ولكن نكسته القاضية كانت في غزوه لجرمانيا.

الإمبراطورية الفارسية

كانت تحكم بلاد إيران في القرن السابع الميلادي. أخضعت الترك في بلاد ما وراء النهر، والعرب في العراق، وفي سنة 614م اجتاحت بلاد الشام واستولت على بيت المقدس، ثم استولت على مصر سنة 616م. ولكن هرقل، إمبراطور الروم، هزم الفرس في آسيا الصغرى سنة 622م، ثم استعاد منهم سوريا ومصر سنة 625م، ثم هزمهم هزيمة ساحقة سنة 627م قرب أطلال نينوى. وفي عام 637م، وقعت معركة القادسية التي قتل فيها القائد الإيراني الشهير رستم فرخزاد ومعظم جيشه، وانتصر فيها جيش المسلمين بقيادة سعد بن أبي وقاص.

جنكيز خان

مؤسس الإمبراطورية المغولية بين 1206 – 1227م. كان غازيا وحشيا دمويا تسبب في قتل الملايين حول العالم. ولكنه سقط من على ظهر حصانه، فمات.

نابليون بونابرت

إمبراطور فرنسا عام 1804. تمكن من اجتياح معظم القارة الأوروبية. وقد أصر على غزو روسيا عام 1812م، لكن حملته أصيبت بالفشل بسبب الجنرال “ثلج”، ما تسبب في عزله من الحكم ونفيه إلى جزيرة سانت هيلينا في المحيط الأطلسي.

تيمورلنك

القائد المغولي في الفترة 1370 – 1405م، مؤسس الأسرة التيمورية في آسيا الوسطى. شن حملات عسكرية غرب القارة الآسيوية وشرقها وجنوبها، حتى أصبح أقوى حاكم، آنذاك. هزم الدولة العثمانية وسلطنة الهند ودولة المماليك في مصر وسوريا. وقد تسببت غزواته في مقتل 17 مليون شخص.

ولم يكفه ما تحقق من انتصارات، بل طمع في حكم الصين، فانطلق لغزوها، رافضا نصائح أطبائه، فعانى جيشه من قسوة البرد والثلج. أما هو فلم تتحمل صحته هذه البرودة القارسة، فأصيب بحمى شديدة ومات.

عثمان الأول

هو زعيم عشيرة قايى التُركيَّة ومُؤسس السُلالة العُثمانيَّة التي حكمت البلقان والأناضول والمشرق العربي وشمال أفريقيا طيلة 600 عام إلى أن انقضى أجلها مع إعلان قيام الجُمهوريَّة التُركيَّة سنة 1922م.

أدولف هتلر

أغرق أوروبا بالدماء، ودمر مدنها وقراها، وجعلها خرائب. أسس حكمه على مبادئ النازية المتطرفة التي تؤمن بأن الشعوب الجرمانية هي العرق الرئيس، وهي أنقى أنواع الجنس الآري.

مارس أقسى أنواع التمييز والاضطهاد ضد من يعارضه أو من يعارض النازية. غزا النمسا وتشيكوسلوفاكيا وبولندا وفرنسا وهدد بريطانيا. واشتهر بمعسكرات الاعتقال والإبادة.

وفي العام 1941 تجمعت حوله جيوش أوروبا وأميركا وانتصرت عليه واحتلت بلاده. وكان في قبو تحت الأرض فعلم بإعدام حليفه موسليني فأبى أن يلقى نفس المصير فقضى انتحارا.

بينيتو موسليني

ألغى كل أشكال الديمقراطية، وجعل النظام الفاشي هو الوحيد. فرض على الأطفال والشباب أن يتعلموا “أن تعيش يوما واحدا مثل الأسد خير لك من أن تعيش مئة عام مثل الخروف”.

كان في أول حكمه سياسيا معتدلا، وحين امتلك القوة فتك بخصومه، وفرض النظام الفاشي على البلاد، وملأ الساحات والشوارع بتماثيله. وأجبر تلاميذ المدارس على استخدام السلاح وحفظ الأناشيد القومية الفاشية، وكان يوصي الجميع بالقول “لا فائدة من السلم الدائم، وإن الحياة واجب ونضال وقهر”.

غزا ليبيا وقتل أكثر من مئة ألف ليبي، ورغم مقاومة الشعب الليبي القوية تمكن من قهر ليبيا وأعدم قائدها البطل عمر المختار. وأعلن ليبيا جزءًا من إيطاليا، ثم غزا إثيوبيا واحتلها.

وفي عام 1945 دخل الحرب مع هتلر، وبعد هزيمته هرب إلى شمال إيطاليا فألقي القبض عليه وأعدمته المعارضة الإيطالية.

الغزو الفرنسي للجزائر

في عام 1830 أقدم القائد الفرنسي الأدميرال دوبريه على غزو الجزائر بـ600 سفينة و34 ألف جندي. وكان احتلالا استيطانيا مباشرا ارتكبت خلاله فرنسا جرائم حرب موثقة.

وقد استمر الاحتلال الفرنسي للجزائر 130 عاما. وفي عام 1962 تكلل نضال جبهة التحرير الوطني بالانتصار، وطردت فرنسا، ولكن بعد أن جعلت الجزائر “بلد المليون شهيد”.

والشيء نفسه فعلته فرنسا في المغرب وتونس وسوريا ولبنان، وفي النهاية تحررت الشعوب وبقي عار الاحتلال يدمغ جبهة التاريخ الفرنسي البغيض.

الغزو الفارسي الجديد

وبعد أن تبدلت الأرض والسماء، وتغيرت القيم والمقاييس، ودخلت البشرية في عصر ما بعد هواية الغزو وتجارة الرقيق، يخرج معممون فرس شاهرين سيوفا قديمة ورماحا ودروعا من القرن الرابع الميلادي، ليغزوا دول جوارهم، متوهمين بقدرتهم على إيقاظ إمبراطورية هالكة تالفة من سباتها.

ومن يتابع تصريحات كبارهم وصغارهم، وهم يفاخرون بأن العراق ولبنان وسوريا واليمن وأفغانستان أصبحت ممتلكات مضافة إلى دولتهم الفارسية العظمى، يدرك هذه الحقيقة دون ريب.

وانسجاما مع حركة التاريخ، ومع جهود القوى الدولية الفاعلة لمواجهة المد الفارسي المعتمد على أحلام غير قابلة للحياة في العصر الحديث فقد بدأ الزمن يعمل ضد طموحات الولي الفقيه وحكومته، ويحولها إلى أوهام.

رجب طيب أردوغان

وآخرهم، السلطان العثماني الجديد رجب طيب أردوغان الذي خاطب كتلته النيابية قائلا، إن ليبيا كانت “لعصور طويلة جزءًا هاما من الدولة العثمانية”، و”لا أحد بإمكانه أن ينتظر منا إشاحة وجهنا عن إخوتنا الليبيين الذين طلبوا منا يد العون”.

وكما فعل حليفُه الخليفة الفارسي علي خامنئي ألقى السلطان أردوغان بجنوده في العراق وسوريا وليبيا، مرتديا عباءة الغزاة الجبابرة، حالما باستعادة أيام غزواتهم القديمة التي انتهت بهزائم دولهم وبعثرة أملاكهم وهوان أهلهم أجمعين.

وكأنه لم يكتشف إلى الآن أن الأجيال المتعاقبة من الليبيين والمصريين والسوريين والعراقيين والنجديين والحجازيين يتوارثون ذكرياتهم المرة الكريهة التي حفرتها في تاريخهم أزمنةُ الهيمنة العثمانية التي لا تنسى.

شيء أخير لا بد أن يقال لخامنئي وأردوغان؛ إن الإمبراطوريات القديمة التي سادت ثم بادت قامت حين لم تكن أميركا وروسيا وأوروبا والصين تمسك برقاب الدول المحسوبة على العالم الثالث، ولم تكن أيٌّ منها حجر شطرنج بين أصابع الكبار. فهل يتعظان؟!

في تاريخها العريق الطويل تمردت إيران، مرات عديدة، على قوانين الطبيعة، ولم تحسب حدود قدُراتها البشرية والعسكرية والاقتصادية الحقيقية، بواقعية وحكمة، وخدَعها غرورُ القوة، فأقدمت على الخروج من حدودها، وأفلحت في ضم بعض دولٍ في الإقليم إلى أملاكها. ولكنها كانت، في كل مرة، تبوء بالخذلان، وتخرج من مستعمراتها مهزومة. وفي زماننا الحالي فشلت إيران الخميني في احتلال العراق بحربٍ دامت ثماني سنوات، من عام 1980 إلى غاية 1988، وكلفت إيران والعراق مئات الألوف من القتلى والمشوهين والمفقودين والأسرى، وقناطير مقنطرة من الأموال. ولولا الغزو الأميركي للعراق 2003 وإعانةُ الاحتلال الأميركي للنظام الإيراني، عن خبث أو عن جهالة، على أن يحقق، بالغدر والعمالة والتقية، ما عجز إمامه الخميني عن نوله بقوة المدافع والصواريخ ومواكب الأطفال اليافعين الذين كان يعطيهم مفاتيح الجنة ويرسلهم إلى الموت حرقا بألغام صدام حسين، لما تمكن النظام الإيراني من تحقيق ما حققه في العراق.

ولا يشك اثنان في أن إحكام القبضة الإيرانية على العراق ساعَد نظام الملالي على الاستقواء في سوريا، والتمدد نحو لبنان وفلسطين واليمن، وحصار دول الخليج العربي التي يحلم باحتلالها والهيمنة على ثرواتها.

خلاصة القول هنا أن كل ما حققته إيران من هيمنة وتوسع في المنطقة لم يكن ليتحقق بجهودها الذاتية، وبقوة جيوشها، بل إنه كان بعونٍ وإرادةٍ وظروفٍ وعواملَ خارجية وفرت لها الأجواء المواتية.

مؤشرات هزيمة إيران

تقوم الهيمنة الإيرانية الحالية على عكس ذلك تماما. فخزانة الدولة الإيرانية تتحمل وحدها جميع نفقات تأسيس الميليشيات والجحافل والأحزاب والتنظيمات، وتكاليف إعاشتها وحمايتها وتسليحها وتدريبها في الدول التي تستعمرها أو التي تحاول استعمارها، إضافة إلى ما تنفقه على استيراد السلاح، والخبرات الأجنبية المساعدة على تصنيعه، وما تدفعه لشراء ذمم رؤساء جمهوريات ورؤساء وزارات ووزراء ونواب وسياسيين وإعلاميين لتسهيل الاحتلال.

إن هذه الأعباء الإنفاقية اليومية الباهظة التي لا مهرب منها، خصوصا في ظل عقوبات الرئيس الأميركي القاتلة، وحشوده العسكرية الخانقة، واستنفار دول عربية وإسلامية مهمة عديدة لمحاصرة إرهابها المتوقع، قد أصبحت عبئاً ثقيلا جدا على خزانة إيران.

إذن، فمثلما حقق الإيرانيون انتصاراتهم في دول الجوار، بعوامل خارجية مساعدة مواتية، فإنهم اليوم يرونها وهي تتحول إلى هزائم، بنفس تلك العوامل الخارجية المساعدة المواتية.

يضاف إلى ذلك عاملٌ آخر داخلي أكثرُ فاعليةً وحزما وحسما في إرباك النظام، متمثلا في انهيارات العملة، وتدهور حالة الاقتصاد، وتوقع انتفاضة شعبية غاضبة بسبب الفقر والحاجة، واضطرار النظام إلى زيادة إنفاقه على حماية أمنه الداخلي خوفا من غضب الجماهير.

إن من حق المواطن العراقي المتجرد من طائفيته وعنصريته، والمتمسك بهويته الوطنية العراقية، والمُنقّى من الأنانية الشخصية والحزبية والقبلية، أن يشعر بالحزن حين يرى هذا التناطح المفتعل بين سياسيين يحرصون على جعله يبدو وكأنه صراع بين طائفة وطائفة، وبين قومية وأخرى، وهم أصلا متفاهمون، متناغمون في ما بينهم، ويحتاج بعضهم إلى طائفية البعض الآخر، وإلى عنصرية البعض الثالث، ليأخذ كل ذي حصة حصته على طاولة الوليمة، كلٌ حسب قوَّته العسكرية أو المالية أو القبلية.

عملاء إيران

الحقيقة أن أحدا لن يستطيع أن يضع يده على فرق، ولو كان بحجم الإبرة، بين واحد شيعي وآخر سني وثالث كردي من حكام الزمن الرديء الحالي. فهم جميعا متشابهون متكاملون ومتفقون ودون جدال على أن يحتكر حبايب إيران صلاحية النيابة العامة المطلقة عن الطائفة الشيعية العراقية دون شريك، هذا أولا.

ثانيا، أن تبقى في قبضة مسعود البارزاني وجلال الطالباني وباقي الأحزاب الكردستانية كامل حصة الشعب الكردي من الوليمة، حتى وإن تشرذموا وتنابزوا بالألقاب، وصار كل رفيقٍ منهم يتهم رفيقه بالخيانة والفشل والفساد.

ثالثا، أن تُمنَح مِلكية تمثيل الطائفة السنية للأقوى والأغنى والذي يفوز في مزادات بيع وشراء المناصب الوزارية والنيابية في المؤتمرات السنية التي تُعقد خارج الوطن بشكل خاص، بغض النظر عن مصدر أمواله وجدارته ونظافة يده وقلبه ولسانه، وحتى لو ثبت بالوجه الشرعي أن التي تدفع له المكافآت والأجور ورواتب الخدم والحشم هي إمارة تميم بن حمد، ما غيرُه، وأن التي تحضُنه وتُسهّل له سبل استثمار أمواله هي تركيا أردوغان.

ويأتي هذا الحديث تعليقا على مؤتمر السياسيين السنّة الذي عقدوه في إسطنبول بتمويل قطري ورعاية تركية أردوغانية، في محاولة لتأسيس كيان سني طائفي يوحّد الحاصلين السابقين على بطاقة الدخول إلى نادي حكام المنطقة الخضراء، مع الراغبين الجدد في الحصول على ما حصل عليه رفاقهم في الحكومات السابقة، من ألقاب رئاسية ووزارية ونيابية تدرّ عليهم المزيد من اللبن الحرام.

والسؤال الذي ينبغي أن يُسأل هنا، أين وكيف ومتى سوف يتمكن العراقيون الذين تخلصوا من أدران الطائفية والعنصرية والتطرف والتخلف والعمالة والخيانة والفساد، من أن ينتزعوا نصيبهم في قيادة شعبهم نحو شواطئ الخلاص؟

إبراهيم الزبيدي – كاتب عراقي – صحيفة العرب

المقالة تعبر عن رأي الكاتب والصحيفة