دمشق °C

⁦00963 939 114 037⁩

د. أحمد الدرزي: الوقائع تشير لاستعصاء الحل السياسي وجميع الأطراف في إدلب بحاجة إلى مزيد من المعارك العسكرية

أوغاريت بوست (مركز الأخبار) – رأي الكاتب والباحث السياسي د. أحمد الدرزي أن فشل هدنة “خفض التصعيد” استئناف العمليات القتالية يعود إلى ” التشدد السوري الروسي” والتسويفات التركية.  الدرزي قال أن “مجموعة العوامل الإقليمية والدولية لا تتيح نجاح هدنة إدلب، ولا خيار سوى العودة للصراع العسكري، لأجل التغيير القسري للسياسات”.

لم يدم الوقت طويلاً حتى تتأكد تكهنات وتوقعات المراقبين والمحللين السياسيين بفشل اتفاق الهدنة في “خفض التصعيد” خاصة أنها جاءت بحسب العديد من المراقبين في غير ظروفها الموضوعية والذاتية، حيث لا يمكن أن تتبدل الأوضاع على الأرض بين ليلة وضحاها بمجرد التوقيع على اتفاق هدنة.

إعلان القيادة العامة للجيش السوري استئناف العمليات العسكرية في مناطق خفض التصعيد، أعاد الأوضاع إلى مربع ما قبل استانا 13. وبرزت مجدداً جملة من التساؤلات والتوقعات حول مصير المنطقة على المديين القريب والبعيد.

في حوارنا هذا نوجه جملة من الأسئلة ذات الصلة بالموضوع إلى الكاتب والباحث السياسي د. أحمد الدرزي.

  • كيف تقيم تطور الأوضاع في منطقة خفض التصعيد بإدلب، خاصة بعد فشل هدنة وقف إطلاق النار واستئناف العمليات العسكرية ؟

على الرغم من بعض الإشارات الإيجابية التي صدرت عن اجتماع آستانا الأخير، فإن الوقائع على الأرض لا تشير لانفراجات حقيقية، بل هناك المزيد من التصعيد، والذي يعبر عن التشدد السوري الروسي في مواجهة التسويفات التركية التي تعتمد على عنصر الزمن لتجويف كل الاتفاقات من محتواها، وقد كان هذا التشدد واضحاً من اشتراط دمشق بأن تنفذ تركيا ما نص عليه اتفاق سوتشي من سحب المجموعات المسلحة للأسلحة الثقيلة والمتوسطة من المناطق التي تم الاتفاق عليها كمناطق منزوعة السلاح، وأعقب ذلك موقفاً روسياً متشدداً يمنح بموجبه لأنقرة مدة أربع وعشرون ساعة فقط لتنفيذ الاتفاق، وكان الرد التركي واضحاً ومتشدداً، بعد إعلان هيئة التفاوض من تركيا تنكرها حول الاتفاق الذي تم على الأسماء الستة المختلف عليها في اللجنة الدستورية، ثم أتبع الجولاني بموقف صريح، رافضاً الانسحاب من المناطق المتفق عليها، واستعداده للمواجهة العسكرية، لم يطل الأمر طويلاً حتى أعلنت دمشق انتهاء الهدنة، وبالمقابل قامت المجموعات المسلحة بقصف مطار حميميم العسكري، الذي لا يمكن أن يتم بدون موافقة أنقرة عليه.

كل هذه الوقائع تشير لاستعصاء الحل السياسي الذي لم ينضج بعد بسبب عدم الإقرار حتى الآن بالتحولات العسكرية التي تمت، والتباين الكبير بين رغبات وأهداف اللاعبين الإقليميين والدوليين حول النتائج المترتبة، وإن المزيد من المعارك العسكرية تحتاجها الأطراف جميعاً في منطقة ادلب، والتي ترتبط ارتباطاً مصيرياً باستحقاقات شرق الفرات ذات الأهمية القصوى لكل الأطراف.

  • كيف قرأتم آستانا 13، ومخرجاته، وما سبب فشل الهدنة التي تم الإعلان عنها في منطقة خفض التصعيد بإدلب؟

من حيث ظاهر البيان الصادر فإنه كان متوازناً بالنسبة لدمشق ولموسكو ولطهران، وخاصةً أن أنقرة قد أقرت بالاتفاق الأخير، ولكن كان من الواضح أن أنقرة كانت تعول على استبدال ملف ادلب جزئياً بضوء أخضر روسي يتيح لها اجتياح كامل ما تبقى من الشمال السوري، وهي بنفس الوقت لا تريد خسارة أوراق الإسلاميين في ادلب، والذين ستحتاجهم في معاركها الخارجية، وأيضاً على مستوى الداخل التركي، وخاصة بعد تدهور القبول الشعبي لأردوغان بعد انتخابات بلدية إستنبول، وهذا لا تتفق معه موسكو التي تتعاطى مع ملف الإسلاميين بقلق شديد، ولا يمكنها أن تقبل بإعادة إدماجهم شكلاً في الحياة السياسية، كما أن دمشق تشعر بالقلق الشديد جراء السياسات التركية في قضم الأراضي السورية، وهي تدرك بأن دورها الإقليمي هو الذي يحميها، وهذا لا يمكن أن يتم من سيادتها الكاملة على كل الأراضي السورية، ويأتي الدور الأميركي الإسرائيلي الداعم لبقاء هذه التنظيمات المسلحة بغية الضغط على دمشق وموسكو وطهران، واستنزاف الدولة السورية حتى تستطيع تأمين مكاسب سياسية ضامنة لأمن إسرائيل من جهة، ولمنع التواصل البري بين طهران وبغداد ودمشق والذي يعادل بالمحصلة التواصل ما بين الصين والبحر الأبيض المتوسط، ولذلك فإن مجموعة العوامل الإقليمية والدولية لا تتيح نجاح هدنة إدلب، ولا خيار سوى العودة للصراع العسكري، لأجل التغيير القسري للسياسات، ووضع معادلات جديدة قادرة على تغيير المسارات المحلية والإقليمية.

  • لماذا تصر تركيا على بقاء إدلب تحت سيطرة قوات المعارضة، بالرغم من أنها اتفقت مع روسيا على إخلاء بقية المناطق السورية من المعارضة، مثل درعا ووسط سوريا وريف دمشق ؟

لا ينفصل موضوع ادلب عن المشروع التركي الذي يسعى للتمدد جنوباً، بعد أن فقد الأتراك إمكانية الدخول بالاتحاد الأوروبي، وهي تسعى لاستمرار السيطرة على ادلب باعتبارها تحقق مجموعة من المكاسب، فهي تجعل من تركيا لاعباً أساسياً في أي حل سياسي مستقبلي، وبالتالي فإن ذلك سيمكنها من لعب دور سياسي أساسي في الحياة السورية، وبنفس الوقت فإن بقاء ادلب تحت سيطرتها سوفر ملاذاً آمناً لكل التنظيمات الإسلامية المسلحة التي يستخدمها كورقة رابحة للضغط على الخصوم والأصدقاء، وتجعلها أقوى في تأمين مصالحها، وتحسين موقعها الإقليمي والدولي، كما أن بقاء ادلب تحت سيطرته يحقق لها إمكانية التمدد جنوباً والإطلالة على وسط وغرب سورية، وهي استعاضت عن كل المناطق المحاصرة سابقاً بمنطقة مفتوحة على حدودها، ويمكنها دعمها بشكل غير محدود، وهذا ما أبرزته المعارك الصعبة المستمرة في ريف حماه الشمالي الغربي.

  • في إدلب يبدو أن الحكومة السورية اتخذت قرار الحسم العسكري، فيما يتحدث مسؤولون سوريون عن شرق الفرات ما بعد مرحلة إدلب، برأيكم هل يمكن التعامل مع شرق الفرات مثلما يتم التعامل مع إدلب ؟

الملف الأعقد والأصعب بالنسبة لدمشق هو ملف ادلب، بسبب الطبيعة الأيديولوجية الصارمة والمتشددة للتنظيمات الجهادية، وبسبب التدخل التركي الكبير والواسع في ملف ادلب، والدعم الغربي بشكل عام والأمريكي بشكل خاص، وهذا يختلف عن ملف شرق الفرات الذي تسيطر عليه قسد التي تعسى لعدم الصدام مع الجيش السوري جاهدةً كما أن دمشق تسعى بدورها لعدم استخدام الحل العسكري لبسط سيادتها، وهي تدرك كما يدرك الكرد بأن الحوار بين الطرفين هو الحل الأفضل لهما، وتلعب الطبيعة العلمانية للكرد دوراً إيجابياً في عدم الذهاب نحو الصدام، وعندما يتيقن القادة الكرد من مخاطر التوافق الأميركي التركي لاجتياح ما تبقى من الشمال السوري فإنهم سيندفعون أكثر باتجاه الحوار مع دمشق من جديد والقبول بالحقوق القومية الثقافية، وبالإدارة اللامركزية الموسعة على كامل الأراضي السورية بديلاً عن الإدارة الذاتية التي يرفضها أغلب السوريين.

  • بعض المراقبين يربطون بين ملف إدلب وملف شرق الفرات، أنتم كيف تنظرون الموضوع، وهل تعتقد أن هناك ارتباط بين المنطقتين ؟

تتداخل نفس العوامل الإقليمية والدولية في كلا المنطقتين وإن بأشكال مختلفة، وتتباين بين الدفاع أو التهديد، ولذلك يدرك اللاعبون المحليون في كلا المنطقتين على الرغم من العداوة الشديدة بينهما،  بأن وجود كل منطقة يرتبط باستمرار بقاء المنطقة الثانية، بنفس الوقت فإن سقوط أية منطقة سيعني بالمحصلة سهولة سقوط المنطقة الثانية، وبنفس الوقت فإن هذا الأمر ينطبق على تركيا التي لا تريد التخلي عن منطقة إدلب، وتسعى جاهدةً بكل الأشكال للسيطرة على شمال سورية، وهي تعتبر تخليها عن ادلب سيفقدها جزءاً كبيراً من قدرتها على تأمين ضوء أخضر من قبل روسيا والولايات المتحدة، وهي تسعى لمقايضة جزئية في إدلب مقابل سيطرتها على الشمال السوري بعمق خمس وثلاثين كم، وكذلك الأمر بالنسبة لروسيا التي تنظر لمصالحها مع تركيا كأولوية قصوى، بعد أن حققت مصالحها في سوريا وبشكل أكثر من المتوقع، وهي يمكن أن تغض الطرف عن اجتياح تركيا للشمال السوري إذا ما أدى ذلك لربط تركيا بروسيا أكثر، وانسحابها من حلف الناتو.

  • تركيا تهدد باجتياح شرق الفرات، ما هدفها من ذلك وهل تعتقد أنها جادة في تنفيذ تهديداتها في ظل وجود قوات التحالف الدولي هناك ؟

تشكل سوريا بالعموم، وشمال سوريا بالخصوص جزءاً من الذاكرة التاريخية القريبة والتي تقارب المائة عام للسلطنة العثمانية ، ويأخذ بعداً أيديولوجياً لكل القيادات التركية التي تتابعت على قيادتها منذ سقوط السلطنة، وأحلامها وطموحاتها لا تتوقف عند سورية، بل تمتد بعيداً للسيطرة على شمال إفريقيا والخليج والبحر الأحمر، وهي تنهج سلوكاً إمبراطورياً توسعياً، ولذلك فإنها ستحاول بكل الأشكال اجتياح الشمال السوري بعد أخذ الموافقة من الولايات المتحدة وروسيا، وهذا الاتفاق قد حصل ولكن ليس بشكل يرضيها، وهي تدرك بأن نجاحها في اجتياح الشمال السوري سيمنحها منصة كاملة للتمدد باتجاه بقية الأراضي السورية، وبنفس الوقت فإن فشلها في اجتياح بقية الشمال السوري سيغلق بوابة تمددها جنوباً وسيعيدها إلى دولة إقليمية عادية بلا نفوذ يتناسب مع حجمها وطموحاتها.

مسألة الشمال السوري بالنسبة لتركيا مسألة وجود أو لا وجود، على الرغم من إمكانية إيجاد حل إقليمي لجميع الدول قائم على إمكانية التعاون بديلاً عن الصراع والهيمنة.

حاوره: بهاء عبدالرحمن