رأي – في بغداد.. مؤتمر قمة بلا هدف!

رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي يريد من خلال مؤتمر بغداد أن يظهر بمظهر رأس الإقليمية التعاونية، لكن أليس الأجدى به في هذه المرحلة بالذات أن يسعى إلى ترتيب البيت العراقي الداخلي أولا.
الكاظمي يستثمر سياسيا في مؤتمر بغداد
لا أعرف صراحة ما الاسم الذي يمكن أن نطلقه على مؤتمر بغداد الذي عقد صباح السبت الثامن والعشرين من أغسطس الجاري، فقد سُمّي بداية “مؤتمر الجوار العراقي”، لكن سوريا أهم دول هذا الجوار غائبة، ومثلها لبنان؛ وسماه آخرون بالمؤتمر الإقليمي، لكنَّ حضور الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أفقده هذه الصفة، دون أن يكون الحضور الفرنسي قادراً بمفرده على تحويل هذا المؤتمر إلى مؤتمر دولي، خصوصاً في غياب ألمانيا والولايات المتحدة أكبر جهتين مانحتين للتنمية في العراق. وأخيراً تمَّ تغيير الاسم إلى “مؤتمر بغداد للتعاون والشراكة”، بكل ما في ذلك من إبهام.
ولكن هل السؤال عن اسم المؤتمر بهذه الأهمية؟ نعم.. لأنه يحدد الهدف من انعقاده، خاصة وأنه لم يتم مسبقاً وضع جدول أعمال واضح، بل ولم يتم تحديد أي محاور أساسية سيجري عرضها أو نقاشها أو الاتفاق بشأنها في المؤتمر، إذن فالهدف العام من وراء قمة بغداد هذه، وببساطة شديدة، غير موجود!
“العراق يستضيف اجتماعاً إقليمياً يهدف إلى تخفيف التوترات في الشرق الأوسط”، هذا ما عنونته الإندبندنت، لكن هل لدى العراق القدرة حقاً على لعب دور الوسيط الإقليمي واستعادة أي ثقل كان له في المنطقة سابقاً؟ يعلم الجميع أن الجواب حالياً هو “لا”. ومع ذلك، ومع أن المؤتمر محكوم بالفشل قبل أن يبدأ، وأن العراقيين “مستغربون” – في أحسن الأحوال – من دواعي تكبد حكومتهم تكاليف باهظة لعقد مؤتمر تستضيف فيه دولاً آذت العراق ولا تزال تهدد أمنه واستقراره ووحدة شعبه، بل وتهدد الأمن الإقليمي بالعموم. ولكن ربما تُعدّ هذه التكاليف الباهظة لدى رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي ثمناً لا بد من دفعه، خاصة وأنه أصر على جمع ما لا يمكن جمعه، وله من وراء ذلك أهدافه وتطلعاته الشخصية.
يريد الكاظمي أن يظهر بمظهر رأس الإقليمية التعاونية، لكن أليس الأجدى به في هذه المرحلة بالذات أن يسعى إلى ترتيب البيت العراقي الداخلي أولاً، خاصة في ظلَّ التوترات والمخاوف الأمنية التي يشهدها الإقليم والمنطقة العربية، والعراق في مقدمتها، نتيجة الفشل الاستراتيجي الأميركي الذي انتهى إلى خروج القوات الأميركية من أفغانستان، والفراغ الذي تركته خلفها لتملأه حركة طالبان، ومعها تنظيما القاعدة وداعش الإرهابيان. ألا يجب على الكاظمي – إذا أراد فعلاً أن يكون قائداً إقليمياً – أن يكون مستعداً لسيناريو مماثل خاصة أن لدى القيادة الأميركية نية الانسحاب الواضحة، ناهيك عن أن العراق لا يفتقر للتنظيمات الإرهابية من كافة المكونات، وبعضها يلعب أدواراً كبرى في تعزيز المظلوميات الطائفية، ما قد يعني إمكانية تأجيج الصراع المذهبي في العراق بكل سهولة؟
العراق يستضيف اجتماعاً إقليمياً يهدف إلى تخفيف التوترات في الشرق الأوسط.. لكن هل لدى العراق القدرة حقاً على لعب دور الوسيط الإقليمي واستعادة أي ثقل كان له في المنطقة سابقاً
ثم كيف للكاظمي أن يفكر بالدور الإقليمي، دون أن يتجرأ ويأخذ على عاتقه زمام المبادرة في دعوة سوريا إلى المؤتمر، علماً أنه من مؤيدي عودتها إلى الحظيرة العربية وإلى جامعة دولها. كما أن اختيار الدول العربية الحاضرة في المؤتمر يُظهر تطلعات الكاظمي وجهوده لتصوير العراق “تحت ولايته” كلاعب إقليمي مستقر، وله قواسم مشتركة مع دول مثل مصر والخليج أكثر من لبنان وسوريا وليبيا. لكنّ العراقيين أنفسهم يدركون أن ذلك غير صحيح، وأن المشكلات العراقية الداخلية أكثر تعقيداً من أن يجري تغطيتها بمؤتمر، بغض النظر عن ثقل وأهمية المشاركين في جلساته. يريد العراقيون مؤتمراً يركز على القضايا المحلية الملحة المتعلقة بإمدادات المياه، ونقص الكهرباء، والحرائق في المستشفيات، وتبعات كوفيد – 19، والفساد، والمحسوبيات والمحاصصة الطائفية.. يريدون حلاً لموضوع الفصائل المسلحة والتنظيمات الإرهابية من قبيل داعش وأخواتها، مع ضمان ألا تعود هذه الجماعات إلى الظهور والانبعاث بمجرد خروج الأميركي من العراق على شاكلة ما يحدث في أفغانستان اليوم. لا يمكن للعراق أن يبدأ في معالجة قضايا السياسة الخارجية الإقليمية إلا بوجود مشهد سياسي داخلي مستقر، مهما ادعى الكاظمي عكس ذلك.
ربما جمع هذا المؤتمر السعوديين والإيرانيين على طاولة واحدة، أو التقى من خلاله الوفدان المصري والتركي، أو تصافح ممثلا الإمارات وقطر، وهذا كله قد يكون جيداً إلى حد ما، لكنه لا يزال بعيداً عمّا يحتاجه العراق، لذلك فإن أي نجاح لأي دور إقليمي يأمل الكاظمي أن يلعبه، أو أي مكانة يمكن أن تستعيدها البلاد، مرهون أولاً وقبل كل شيء باستقلالية القرار الوطني العراقي، وتحرره من أي تدخلات إقليمية تُفرض عليه بقوة السلاح غير الشرعي، لكن هذه الاستقلالية تكاد تصبح حلماً بعيد المنال نتيجة السياسات الدولية، والأميركية على وجه الخصوص، والتي تحاول استرضاء طهران وتقديم كل التنازلات التي تضمن عودتها إلى الاتفاق النووي، دون اكتراث بما لذلك من عظيم الأثر على العراق خاصة، وعلى دول الجوار العربية بشكل عام.
وأخيراً وكي لا نتجاهل “الفيل الذي في الغرفة”، أي الأمر الواضح الذي لا أظنه خافياً بعد على أحد وهو توقيت المؤتمر قبل نحو شهر ونصف من الانتخابات الفيدرالية العراقية، ولأن الكاظمي – الساعي إلى تأمين ولاية ثانية لنفسه – غير قادر على تقديم “أوراق اعتماد” للعراقيين مبنية على إنجازات داخلية، يعمد اليوم، وهو المتمتع بدعم دولي كبير، إلى مسرحية دبلوماسية عالمية أبطالها رؤساء ووزراء خارجية وسياسيون رفيعو المستوى ليقدم نفسه كواحد منهم. لقد وصل الكاظمي إلى السلطة دون انتخابات، ويؤكد دائماً أنه لن يشارك في الانتخابات المقبلة، ويأمل من استعراض المكانة الدولية هذا أن يستميل النخبة السياسية في العراق وفي الإقليم، ليثبت للعراقيين مجدداً أن أكبر أسباب خيبة أملهم واغترابهم السياسي ما يزال قائماً، وهو أن السلطة في البلاد تُسلم من خلف الأبواب المغلقة وليس بحسب أصواتهم في صناديق الاقتراع.

حسن إسميك – كاتب ومفكر عربي – العرب اللندنية
المقالة تعبر عن رأي الكاتب والصحيفة