رأي – الانسحاب العسكري الأميركي من سوريا!

تتكشف، هذه الآونة، آراء ومواقف متباينة، في صفوف المعارضة السورية، حول قيمة بقاء بعض القوات العسكرية الأميركية في سوريا، وما يترتب على انسحابها من نتائج، ربطاً بما حدث في أفغانستان وبالترتيبات الجارية لما بات يُعرف بإعادة النظر في حجم وطبيعة وجود القوات الأميركية في العراق.
ثمة من لا يجد قيمة أصلاً لوجود القوات العسكرية الأميركية في سوريا، ولا يرى أي تأثير لها في المشهد الراهن وآفاق تطوره، ما دامت واشنطن قد انسحبت، برأيهم، ومنذ زمن بعيد، من دور جدي في إدارة الملف السوري، وتخلت متقصدة عن أدوات الضغط العسكرية لصالح أشكال من الضغوط الاقتصادية والدبلوماسية، بل إنها منذ انطلاق ثورة السوريين لم تتخذ موقفاً عملياً رادعاً لعنف النظام وانفلات أدواته القمعية، أو لتفعيل مسار المعالجة السياسية، مكتفية بإدانات متنوعة لما يحصل من فتك وتنكيل وبدعوات لوقف القتال، لم تتجاوز برودة الكلمات، يحدوها، وغالباً من باب رفع العتب، قصف قاعدة جوية هنا أو موقع عسكري للنظام السوري هناك، رداً على معاودة الأخير استخدام السلاح الكيماوي. ويستقوي أصحاب هذا الرأي بإعلان بعض كبار المسؤولين الأميركيين، بعد أن انتهت مهمة دحر «داعش» وتحجيم مخاطره، بأن استمرار وجود بعض القوات الأميركية في سوريا هو من أجل تعزيز السيطرة على منابع النفط، ليس إلا! بينما يذهب آخرون من حملة الفكر القومي الشوفيني، إلى وضع قيمة سلبية لاستمرار الوجود العسكري الأميركي، ليس من دوافع وطنية، بل لأنه يشكل غطاءً لحماية الإدارة الذاتية الكردية المتهمة عندهم بحمل مشروع للانفصال عن سوريا، مع أن هؤلاء، وللمفارقة، لم يهدأوا لحظة من المطالبة بتدخل أميركي لدعمهم وردع النظام، وربما يريحهم إن أفضى هذا الانسحاب إلى تمكين تركيا من تعزيز سيطرتها على شمال البلاد، أو أضعف وزن الأكراد السوريين وأكرههم على الانزلاق نحو النظام، وجعل منهم، مرة جديدة، وقوداً وضحايا لصراع النفوذ الإقليمي والدولي على المنطقة.
صحيح أن ثمة تطمينات حول بقاء القوات الأميركية، أعطيت لوفد من قيادات الإدارة الذاتية الكردية زار مؤخراً واشنطن، وصحيح أن الرئيس بايدن أعلن جهاراً، بأن الخطر على الولايات المتحدة من سوريا وشرق أفريقيا أكبر بكثير مما في أفغانستان، وتم تفسير ذلك بأن البيت الأبيض ليس بوارد الانسحاب الآن من سوريا، لكن الصحيح أيضاً أن المواقف الأميركية في غير مكان ومحطة من تطور الصراع السوري لم تكن موضع ثقة واطمئنان، وكلنا يتذكر، مثلاً، كيف أعلنت واشنطن الحياد والنأي بالنفس تجاه العمليات العسكرية التركية في سوريا ولم تشكل عامل حماية كاملة للوجود الكردي؛ ما مكّن حكومة أنقرة من اجتياح عفرين والسيطرة على شريط من الأراضي السورية على طول الحدود، وأيضاً كيف انقلب موقفها الداعم لجماعات المعارضة المسلحة في جنوب سوريا، وأعلنت أنه لم يعد بوسعهم الاعتماد على حمايتها لهم، بعد أن هددت، هي نفسها، النظام وحلفاءه بالويل والثبور وعظائم الأمور إن استمروا في تصعيدهم العسكري ضد قوات المعارضة في مدينة درعا وأريافها.
وفي المقابل، ثمة من يؤيد استمرار الوجود العسكري الأميركي في سوريا، ولو كان وجوداً شكلياً، ويتحسب من سحبه، معتقداً بأن له قيمة سياسية ومعنوية، خاصة في مواجهة مختلف القوى المؤثرة بالمشهد السوري، بل من دونه سيكون هذا المشهد أكثر إحباطاً وشؤماً، مرة أولى، لأنه يشكل عاملاً موضوعياً يمنع النظام من أن يكون صاحب الكلمة الوحيدة في البلاد ويحرمه من التغني بالانتصار النهائي، وفرض سيطرته على جميع الأراضي السورية، ومرة ثانية، لمحاصرة محاولات تمدد موسكو في شمال وشرق البلاد، ولإعاقة مساعيها للتفرد في تقرير المصير السوري وفرض تسوية تنسجم كلياً مع مصالحها، وتالياً إجبارها على تقديم تنازلات سياسية لمعالجة الأزمة السورية وفق القرار الأممي (2254)، ومرة ثالثة، لتحجيم الانتشار العسكري الإيراني شرق الفرات، بما في ذلك تحجيم مطامعه لتعزيز نفوذه في المشرق العربي؛ فالموقع الذي توجد فيه القوات الأميركية، يقطع طريق التواصل البري من طهران إلى بيروت عبر بغداد ودمشق، ويمنع أو على الأقل يعيق فاعلية ما بات يعرف بالهلال الشيعي.
والحال، وبغض النظر عن السبب، إن كان اختلاف ترتيب الأولويات لدى الإدارة الأميركية وتنامي الاهتمام بالوضع الداخلي ومشكلاته الاقتصادية والاجتماعية، أم كان اضطرار واشنطن إلى تقريش دورها الخارجي من زاوية النتائج والجدوى والتكلفة وما يترتب على ذلك من خسائر يصعب تعويضها، أم كان التركيز على مواجهة التحدي الصيني، وآخر دليل اندفاعها، وعلى حساب حليفتها فرنسا، لإعلان تحالف «أوكوس» مع بريطانيا وأستراليا، وتمرير صفقة لتزويد الأخيرة بغواصات هجومية متطورة تعمل بالوقود النووي، للحد من تنامي النفوذ الصيني… لا بد أن نعترف بأن ثمة انسحاباً عسكرياً حاصلاً وتالياً سياسياً لواشنطن من الشرق الأوسط؛ ما يعني تراجع الدور الأميركي، كقوة عظمى، في إعادة تثبيت معادلة التوازن الدولي والإقليمي؛ الأمر الذي سوف يترك آثاراً مقلقة ومؤذية على الاستقرار في المنطقة، وربما لا يغير كثيراً هذه الحقيقة ما تروجه واشنطن عن تمسكها بحضورها ومصالحها في الشرق الأوسط، وأنها إنما تعتمد نهجاً جديداً ينأى عن الأساليب العسكرية المباشرة نحو وسائل أخرى سياسية واقتصادية وأمنية.
يصيب من يعتقد بأنه ما لم تتخذ الولايات المتحدة موقفاً جدياً وحاسماً من الحدث السوري، بصفتها الطرف الأقوى عالمياً والأقدر على تقرير مصير الكثير من الصراعات الوطنية والأزمات الإقليمية، فلن يحصل أي تحول نوعي وستبقى البلاد تحت وطأة العنف والخراب، وعرضة للتنازعات الإقليمية والتجاذبات الدولية، ويصيب من يعتقد بأن السياسة الأميركية لا تحكمها المبادئ والأمنيات، بل تستند أساساً إلى المصالح، وحسابات الربح والخسارة، وربما يصيب أيضاً، من يجد فائدة ومتكأً من بقاء القوات الأميركية في سوريا، حتى تحقيق الانتقال السياسي، وإخراج القوات الأجنبية كافة من البلاد، خاصة عندما يغدو بقاؤها مكملاً لضغوط واشنطن بموجب قانون قيصر، ويتوافق مع مصلحة عضوية أميركية في عدم السماح بحدوث خلل استراتيجي في توازنات القوى في المنطقة وفي المشهد السوري على حد سواء.
أكرم البني – كاتب سوري – الشرق الأوسط
المقالة تعبر عن رأي الكاتب والصحيفة