د. نصير العمري: خروج الولايات المتحدة من أفغانستان كان فوضوياً ولكن ضرورياً .. وهذا لن يتكرر في سوريا

أوغاريت بوست (مركز الأخبار) – بعد 20 عاماً من الحرب والقتال ضد حركة طالبان، كان الانسحاب الأمريكي مفاجئاً للعالم و “فوضوياً ومتخبطاً”، حيث تركت أفغانستان لقمة سائغة للحركة التي احتوت زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن، وهو المسؤول عن أحداث الحادي عشر من سبتمبر (أيلول) 2001، ذاك التاريخ الذي تغير معه العالم، وأشعل صراعات وحروب في الشرق الأوسط وشرق آسيا ولا تزال مستعرة حتى الآن.

محللون سياسيون أمريكيون شددوا على أن الانسحاب الأمريكي كان فوضوياً و أن إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن كانت متخبطة، لكنهم أشاروا إلى أن الانسحاب كان “ضرورياً” وخاصة أن الحرب في أفغانستان اعتمدت على “حرب الاستنزاف” ضد الولايات المتحدة على الصعيد الاقتصادي والمالي وحتى البشري.

وقالوا بأن الانسحاب الأمريكي لن يترك فراغاً كبيراً، كون روسيا والصين و إيران وغيرها من الدول على استعداد للتعامل مع حركة طالبان، التي يطلب منها اليوم أن تكون شريكة لمحاربة الإرهاب، مستبعدين في الوقت نفسه أن تكرر الولايات المتحدة ما فعتله في أفغانستان على الساحة السورية، كون سوريا تختلف عن أفغانستان بمعطيات كثيرة.

وحاورت شبكة أوغاريت بوست الإخبارية، المحلل السياسي وعضو الحزب الديمقراطي الأمريكي الدكتور نصير العمري من واشنطن، ودار الحوار حول تقييم الانسحاب الأمريكي من أفغانستان، وهل يمكن لواشنطن الاعتراف بطالبان، وهل هذا الانسحاب له علاقة بروسيا والصين، وإمكانية أن تتحول أفغانستان مجدداً لملاذ للإرهابيين.

وفيما يلي النص الكامل للحوار الذي أجرته شبكة “أوغاريت بوست” الإخبارية مع الدكتور نصير العمري :

 

– كيف تنظر الولايات المتحدة الأمريكية لحكومة طالبان الجديدة وهل يمكن الاعتراف بها ؟

الولايات المتحدة وإدارة السيد جو بايدن تنظر إلى الوصول المفاجئ لحركة طالبان إلى السلطة بالكثير من الدهشة وهناك تخبط وهناك محاولات تبرير، والموقف متغير ومتحول لحد الآن، الموقف الحالي هو أنه إذا كان هناك اعتراف بطالبان فسيكون اعترافاً تدريجياً ومشروطاً، وهذا الموقف متغير، ففي البداية كان هناك ضبابية وكان يصنفون طالبان على إنها حركة إرهابية، ولكن اليوم يبدو أن الموقف الامريكي الحالي في هذه الساعات هو أن الطريق طويلة وأنه يمكن فتح علاقة مع طالبان لكن بشروط، وأظن أن صانع السياسة الأمريكية يدرك بأن تجاهل طالبان وتصنيفها على أنها حركة إرهابية ورفض التعامل معها لا يصب في مصلحة الولايات المتحدة.

– الجميع يتحدث عن مسؤولية إدارة بايدن حول ما حصل في أفغانستان ووصول طالبان للسلطة، انتم كيف تقيمون ذلك؟

بالتأكيد السيد بايدن كان قراره بالخروج من أفغانستان بهذه الطريقة يمكن الإشارة إلى نتائج كارثية وهي واضحة، ومن أهم المشاكل التي ستنتج عن هذا الخروج الفوضوي، هو سمعة الولايات المتحدة، والسمعة مهمة؛ خاصة وأن الولايات المتحدة تعتمد في استراتيجيتها على حلفاء كثيرين يعتمدون على الولايات المتحدة لدعمهم.. وهذا أولاً.

وثانياً .. خروج الولايات المتحدة بهذه الطريقة والتراجع في وجه حركة متطرفة مثل طالبان، هذا يعطي الكثير من الأمل والطموح لعودة التطرف المتأسلم، الكثيرون ينظرون لهذا الانسحاب على أنه ربما الولايات المتحدة تضعف، والغريب أن الولايات المتحدة ذهبت لأفغانستان واحتلتها، لكي تحارب هذه النظرة، وتحارب هذه الفئات التي كانت ترى بأن الهجوم على الولايات المتحدة يمكن أن يؤدي إلى تغيير سياسة الولايات المتحدة، فهذا يثبت بأن الولايات المتحدة فعلاً يمكن أن ترضخ لهذه الجماعات، خاصة وأنها رضخت اليوم بوجه طالبان.

ولكن بنفس الوقت أنا اقول أن السيد بايدن لم يكن لديه الكثير من الخيارات، لأن الاحتلال كان له بداية وليس له نهاية وكان يعتمد على استنزاف الولايات المتحدة اقتصادياً ومالياً، ولم يكن ليحقق الكثير من النتائج، فأظن بأن السيد بايدن اتخذ قراراً سيئاً ولكنه كان ضرورياً.

– هل الانسحاب الأمريكي “الفوضوي” له علاقة بروسيا والصين، وهل يمكن أن نشهد أي انسحابات أخرى للأمريكيين خاصة من سوريا ؟

هناك نظريات كثيرة، منها ما يقول أن هذا الانسحاب ربما يكون نقل المشاكل من أيدي أمريكية إلى أيدي روسية وصينية، ولا أعلم إذا كان صانع السياسة الأمريكية بهذه الحنكة بوضع خطة بهذا الشكل، من الواضح أن هناك تخبط كبير ولا يوجد خطط، ولكن ربما تكون هذه نتيجة طبيعية لما سيحصل، لأن طالبان اليوم تعاني اقتصادياً وقبضتها على الحكم وعلى الاقتصاد والهجرة والحدود ضعيفة، واحتمالية عودة الإرهاب قوية جداً، فمن الممكن أن تتحول أفغانستان لقنبلة موقوتة أمنياً للصين وروسيا والهند وإيران ودول أخرى، ولكن أظن بأن هذه الدول ستتعامل مع طالبان بعد الخروج الأمريكي وأظن بأنها ستركز على أن العلاقة مع طالبان ستكون مشروطة بالحرب على الإرهاب. فمن هذه الناحية أظن بأن الولايات المتحدة لم تترك فراغاً كبيراً في أفغانستان، لأن الصين والروس وإيران تركز بشكل كبير على أن طالبان يجب أن تحارب الإرهاب.

وبالنسبة لانسحابات أخرى مثلاً من سوريا وغيرها، كان هناك تصريحات رسمية بأن الوضع في سوريا يختلف عن أفغانستان، لأن هناك حاضنة للقوات الأمريكية في سوريا، من الحلفاء الأكراد للولايات المتحدة، وهذا عكس ما يحصل في أفغانستان، فأظن بأن الوضع مختلف، ولكن الدور الأمريكي يختلف في سياق أشمل يتغير بشكل كبير وربما يكون هناك تسويات معينة تتعلق بسوريا، لكن في الوقت الحالي لا أظن بأننا نشهد إعادة لما حصل في أفغانستان على الساحة السورية، لأنه كما قلت هناك حاضنة للأمريكي هي من السكان الأصليين من الأكراد، ولا أظن أنه سيكون هناك انسحاب، وليس هناك قوة تجبر الولايات المتحدة على الانسحاب بنفس الطريقة من أفغانستان.

– هل تعتقدون أن أفغانستان ستتحول مجدداً إلى ملاذ للإرهاب وامكانية أن نشهد هجمات إرهابية حول العالم أو على الأرض الأمريكية ؟

أظن أن هذا يعتمد على قدرة طالبان على بسط النفوذ، ويعتمد هذا بدوره على الدعم الدولي والإقليمي لطالبان، إذا كان هناك دعم دولي لحكومة طالبان خاصة من اللاعبين الجدد خاصة على الساحة الأفغانية، فأظن بأنه سيتمكنون فعلاً من دحر الإرهاب، ولكن إذا لم يكن هناك دعم، فمن الممكن أن تفشل طالبان وإذا فشلت طالبان فهذا سيتحول إلى فشل أمني وهذا سيدخل الإرهاب، فكله يعتمد على الدول الإقليمية وعلى قدرة طالبان على التأقلم مع الواقع السياسي والأمني والاقتصادي الجديد، وهذه تحتاج لفترة طويلة لكي نفهم شكل أفغانستان الجديد.

– كيف يمكن أن تستفيد التنظيمات الإرهابية والمجموعات المتطرفة في سوريا والمنطقة العربية من وصول طالبان للسلطة ؟

أظن بأنه هذا أكبر خسارة للولايات المتحدة .. الخسارة المعنوية، للجماعات الإرهابية المتطرفة، أظن بأن هناك جماعات متطرفة في سوريا والعراق ودول أخرى، تنظر إلى هذا الخروج الأمريكي بنظرة متفحصة ولا يوجد سبب يجعل هذه الجماعات تعتقد بأن أمريكا ستتعامل بطريقة تختلف عن طريقة طالبان، خاصة الانسحاب من وجه طالبان، فأظن بأن هذه أكبر ومن أحد أهم الخسائر الأمريكية هو أن الكثير من الجماعات ترى تغير الموقف الأمريكي وترى بأن أمريكا لن تعود للاحتلال المباشر و أنها لن تحارب الإرهاب بوجود وكلاء في المنطقة يحاربونه، فهذا في الحقيقة يخلط الأوراق ويجعل عودة الإرهاب الذي ظن وقال الأمريكي أنه انتهى، فاليوم هناك شكوك بأنه انتهى، خاصة وأن هناك تفجيرات استهدفت القوات الأمريكية ذاتها، فهناك مشكلة الإرهاب لم تنتهي، ولكن بكل تأكيد من كان يعتقد بانها انتهت هو مخطئ اليوم وأظن بأن الحركات الإرهابية تدرس ما يحصل و ربما سيكون هناك عواقب لتخلي الولايات المتحدة عن هذا الدور الذي كان من خلاله تتوعد الإرهاب وتلاحقه بشكل مباشر أو غير مباشر من خلال الحلفاء، فبكل تأكيد هناك تغير كبير على الساحة الدولية.

حوار: ربى نجار