جورج صبرا لأوغاريت: الأستانيون السوريون مثل “شاهد ما شفش حاجة” وهيئة التفاوض تنعم بعطالتها

أوغاريت بوست (مركز الأخبار) – يحل عام 2022 على السوريين تاركاً ورائه عاماً من استمرار الأزمة في سوريا، وسط فشل سياسي مستمر يترافق مع معاناة إنسانية، فاقمها طول أمد الصراع العسكري لأكثر من عقد من الزمن والانهيار الاقتصادي نتيجة تراجع قيمة الليرة السورية، فضلًا عن عدم الوصول إلى حلول جذرية بين أطراف الصراع على الرغم من اجتماعات أستانا التي لم تستطيع تحقيق أي تقدم يذكر لكسر الجليد المتشكل خلال السنوات الماضية بهدف تحقيق آمال وأحلام السوريين بنهاية قريبة لمأساة الملايين داخل سوريا وخارجها.

وخلال حوار خاص مع الرئيس السابق للمجلس الوطني السوري، جورج صبرا، طرحت شبكة “أوغاريت بوست” العديد من التساؤلات حول تقييم الوضع السوري في عام 2021، وهل من الممكن أن يكون هناك تغيير في مسار الحل السياسي خلال العام الجاري وغيرها من الأسئلة.

وفيما يلي النص الكامل للحوار الذي أجرته “أوغاريت بوست” مع السيد جورج صبرا

– كيف تقيمون الوضع في سوريا خلال عام 2021؟

كان عام 2021 من أشد الأعوام قسوة ومرارة في المحنة السورية الممتدة لأكثر من 10 سنوات خلت. إذ تعددت الآلام وعظمت المعاناة، وامتدت عمقاً واتساعاً لتشمل جميع السوريين على امتداد الأرض السورية وخارجها ولو بدرجات متفاوتة فانعدام الأمن والأمان، وعدم توفر أسباب العيش الكريم، وتفاقم بواعث الهجرة واللجوء وازدياد طالبيها، لتصبح الخيار المشترك الأوحد في جميع المناطق.

حيث تستمر “سلطات الأمر الواقع” وعلى رأسها “عصابات الأسد” بارتكاب كل أنواع الانتهاكات بحق المواطنين قاطنين ونازحين ولاجئين. إضافة إلى تفاقم الأزمات المعيشية والأوضاع الصحية لجميع السوريين في ظل تفشي جائحة كورونا. وما زالت قوات “الاحتلال الروسي” تعمل على قتل المدنيين الأبرياء وتدمير إمكانية العيش في إدلب، بينما تقوم قوات النظام وعصاباته باغتيال الأحرار وتصفيتهم في درعا، وتبذل جهدها لإشعال نار الفتنة والاقتتال الداخلي بين أبناء السويداء عبر عصاباتها القديمة/الجديدة. وتستمر المتفجرات والعبوات الناسفة في التنقل من مكان إلى آخر شمالي البلاد، لتجعل الحياة دموية ومستحيلة، تؤدي إلى تعاظم عوامل الطرد وطلب الهجرة واللجوء.

وكان العام المنصرم فسحة مؤلمة لتراجع الاهتمام بقضية الشعب السوري والعملية السياسية الخاصة بها، التي خرجت من دوائر الاهتمام الدولية، ووضعت على قوائم الانتظار. حتى على الصعيد الإغاثي والإنساني، جرى تراجع ملحوظ في النشاط الأممي لتلبية الاحتياجات. وخاصة في مخيمات اللجوء داخل البلاد وخارجها. وزادت الصورة قباحة النغمات العربية والنشاطات المتصاعدة لإعادة تأهيل النظام في إطار جامعة الدول العربية، وكذلك من استعادة العلاقات الدبلوماسية معه من قبل بعض الدول العربية. وكأن الخذلان الأمني والإغاثي الذي يتعرض له السوريون لا يكفي، ليصل الأمر إلى الخذلان السياسي والإنساني والأخلاقي بل الوجودي فردياً وجماعياً، عربياً ودولياً.

أما أشد مظاهر المحنة فكانت بغياب السوريين وعدم حضورهم اللائق والفعال وراء قضيتهم أفراداً ومؤسسات. حيث كانت حالة التبدد الوطني في المشهد السوري وانعدام الدور والفعالية هما الأبرز. فمازالت “هيئة التفاوض” دون حس ولا حركة، تنعم بعطالتها منذ تشكيلها في مؤتمر الرياض 2 قبل 4 سنوات. ويبدو أن العام الجديد أغلق الباب في وجه “اللجنة الدستورية” إثر التصريحات الروسية الكاشفة لجوهر وجودها وعملها، والتي صدرت مؤخراً على لسان لافرنتيف. فبعد 3 سنوات و6 جولات فارغة، بقيت في المربع الأول، وفق ما هو مرسوم لها، وبما يفيد النظام وداعمه الروسي صاحب هذه البدعة في سوتشي. وبقيت هذه اللجنة تتمتع برفض السوريين القاطع لها كمشروع وبنية ومهام. ويبقى الأستانيون من السوريين مثل “شاهد ما شفش حاجة”، ذهبوا إلى أستانا 16 مرة ، وعادوا كما ذهبوا. إذ لا شأن لهم بالأمر هناك باستثناء لزوم الصورة، وتثبيت الحضور خدمة لمصالح الآخرين. باختصار كان عام تعاظم الآلام على السوريين، وتفاقم عطالة المؤسسات والهيئات وانكشاف عدم فاعليتها وجدواها. إلى جانب افتضاح الخذلان العربي والدولي بأوضح صوره وأبشعها.

– ما أسباب تعثر الحلول للأزمة السورية؟

اسمح لي بداية أن أعترض على توصيف “الأزمة السورية” التي يجب استبدالها بـ “القضية السورية”. فليس ما جرى ويجري في بلادنا منذ عقد من الزمن أزمة. إنها قضية شعب وحقوق مشروعة وأهداف وتضحيات، وإرادة جيل من الشباب يريد صنع مستقبله ودخول العصر.

كانت سوريا عبر التاريخ وبسبب موقعها الجغرافي والحضاري وقيمتها الجيوسياسية مثار اهتمام دولي على الدوام، وموضع استهداف للمشاريع الإقليمية والدولية، وبالتالي ميداناً لتدخلاتها السياسية والدبلوماسية والعسكرية، التي حولت بلادنا إلى ساحة للصراع فيها وعليها. وكان لوجود “الاحتلال الإسرائيلي” على خاصرتها الجنوبية الغربية دور خاص في حصول ذلك. ورغم توفر البنية السياسية النظرية للحل عبر القرارات الأممية اللازمة، وتعدد المسارات والمحاولات. غير أن الحصيلة الصفرية هي السائدة، نتيجة عدم توفر الإرادة الدولية بمقاربة الحل جدياً، ولا التوافق الأمريكي – الروسي على ضرورة تنفيذه. لأن سوريا تشكل قاعدة “المشروع الإيراني” الذي ينفذه نظام الملالي في المنطقة. و”الاحتلال الروسي” جعل بلادنا في صلب معادلة الصفقات والتنازلات والمصالح المتبادلة في الإقليم وعلى المستوى الدولي. دون أن نهمل دور تهتك الوضع العربي وخروجه من معدلات القوة والنفوذ في هذا الصراع. مما جعل دوره الإيجابي الفاعل منعدماً. وليس لنا كسوريين أن نتبرأ من قسطنا من المسؤولية أفراداً ومؤسسات، فيما فعلناه وفيما لم نفعله، من أجل توفير الحضور اللائق لشعبنا وراء قضيته، وتعزيز وحدته الوطنية.

– هل تعتقد أن المعارضة بمختلف مشاريعها فشلت في تمثيل السوريين وحان الوقت لتشكيل كيان أو جسم جديد للمعارضة؟

لم يعد الحديث في هذا الأمر همساً أو مواربة في أوساط قوى الثورة والمعارضة. إذ يبدو اليوم كحاجة يتطلبها استمرار الثورة، وتصميم الشعب على تحقيق إرادته، واستعداده لتقديم التضحيات، التي أظهرتها الوقائع داخل البلاد وخارجها، وعبرت عنها هذه القوى في مختلف الأنحاء عند إحياء الذكرى الـ 10 للثورة في آذار/مارس الماضي. ومواقف جمهور الثورة في الداخل من المؤسسات التمثيلية وهيئاتها، وخاصة في المحرر منه، وكذلك في بلدان اللجوء والاغتراب تثبت ذلك أيضاً. فقد خسرت هذه المؤسسات ثقة السوريين وتأييدهم، مما أفسح في المجال للتفكير بالبدائل. وكثرت المحاولات عبر المؤتمرات واللقاءات، ونشرت الوثائق والمشاريع السياسية. بعضها أخفق في الاستمرار، وبعضها أحرز قدراً من النجاح وبقي واعداً، وأثبت قدرته على الفعالية والاستمرار، والمشاريع المماثلة مستمرة. وتجد هذه المحاولات والمشاريع مبرراتها ودوافعها من خسارة المؤسسات التمثيلية لثقة السوريين، وهو ما أفقدها تالياً اهتمام المجتمع الدولي والاعتبار اللازم عند الدول والمنظمات الأممية. واتضح أن استعادة حضور السوريين بكفاءة وفعالية وراء قضيتهم، يستوجب بناء حامل سياسي وطني، يحظى بدعم الشعب، ويتولى هذه المهمة.

– هل تعتقد أنه يمكن أن يتغير شيء في مسار الحل السياسي خلال عام 2022؟

للأسف لا تبدو معالم التغيير في متناول اليد خلال هذا العام. ما لم تحصل تطورات دراماتيكية في الداخل السوري، وفي قضايا المنطقة والفاعلين الكبار فيها. فالمنطقة مازالت تتقلب على صفيح التفجرات والانهيارات والانقلابات. والأنظمة العربية باتت مغلوبة أمام أزماتها القائمة والمحتملة لدرجة تهدد وجود هذه الدول. وعوامل الاشتباك الدولي والتباينات بين الأجندات وشبكة المصالح متصاعدة إلى حد التناقض. إضافة إلى أن الاهتمام الأمريكي بمنطقتنا في تراجع لصالح الاهتمام في منطقة الشرق الأقصى. كل ذلك يجعل التوافق اللازم حول القضية السورية وإيجاد حل لها، لا يزال خارج حدود الرؤية.

سوف تستمر سياسة الصبر الاستراتيجي الأمريكية في معالجة قضايا المنطقة، والمرتبطة أشد الارتباط بالملف النووي الإيراني ومحادثات فيينا. وتستمر كذلك السياسة الانتظارية عند الجميع بعد ضبط التفجرات الممكنة، بالحد من مواقع الاحتكاك والتصادم. وفتح الحوارات الأمنية والسياسية بين سلطات الأمر الواقع وحماتها الدوليين لبقاء الأمور تحت السيطرة. فيما يبقى الشعب السوري بجميع مكوناته وعلى اختلاف مواقع تواجده مطحوناً بالأزمات المتوالدة: من حدود الفاقة والجوع، إلى الاعتقال والقتل والتهجير، إلى طين المخيمات وآلامها، إلى بحار اللجوء. ويبقى الخاسر الأكبر سوريا الوطن والشعب.

 

حاوره: بهاء عبدالرحمن